|
قصائد للشاعرة الأندلسية خوسيفا بارا
ترجمة: خالد الريسوني
كشف النوايا
أود أن أتحدث عن الهوى البائس والباذخ، عن روحه التي هي النار وأيضاً هي الصقيع، عن الأمزجة المباغتة وعن الإيماءات الناعمة، عن الصخب والهمس وعن المجد والرهبة. دعني أقول لك بصوت خافت اسمه.
1 عن اللمس
أدن في أناة من سلطاني فأصابعك تتحسس الفضاء في عميً، العتمة التي تلف جسدي، فليشيدوا طريقاً ولْيَصِلوا إلي من خلال الحجاب الكثيف والصامت للظلال. أنقذني بالنور الذي في أصابعك إن هي لمستني، متوسلة الاسترخاء، أشعلني أو أحرقني في اللمس الفاتن والجلي ليديك. ومثل فراشات الليل، أمضي نحو الجذوة التي تدعو إليها. فأنا أفضل الاحتراق عن التموضع في العتمة.
2 عن الشم
الفانيلا والخزامي والخضرة والقرفة. عَبِقٌ أحياناً كما لو كان من ماء، من غيم أو من مطر، عطر عنيف أحياناً يذكرك بجلد الغزال، بالعرق وبدم حيوان في ودقان. لكن في النهاية دائماً وأبداً الفانيلا والخزامي...
3 عن البصر
لأجل عينيك. لأجل عينيك المفتوحتين بقسوة، لأجل عينيك الثابتتين. لأجل عينيك بغزارة الحمي. لأجل عينيك الواسعتين سحلبية من جسد شهواني، لأجل عينيك الشرهتين ذاتيْ إلهام النحل.
4 عن الدوق
هناك ملح فوق الشفاه، في اللسان. بقايا غرقي وجنيات البحر، لربما طحالب ولذة الأعماق المزبدةِ والخضراءِ للمحيطاتِ، يعرف الجنس أبداً بحر الشتاء ورياحَ بحرِ الشمالِ العاصفةَ في منتصف الليل.
5 عن السمع
يرتفع صوتك، يلتف ويرتعش، يتلوى ويتجمع، يشتبك بخصلات شعري، ما يزال يعلو، يكبر، ينتشي في زئير ويفقد معرفته بالتغريد أو الكلام. أنت آخَرُ من خلال صوتك، لا أعرف ذاك الرجل الذي يصرخ في أوج اللذة، غريب وممتع يتحدث لغات ملائكية في سريرٍ مدنسٍ.
ذكرى هادئة
ما زلت أري البحر لاهثاً وكثيفاً حينما أغمض عيني، وعلي اليسار الأعمدة الدورية في عناقها: عناق اللبلاب فوق الجبل، مثل صورة ثابتة أو لوح زجاج ملون قديم. يتصاعد عطر أزهار الدفلى هادئاً إلي، إبرة من ملح البارود، الصوت البدائي للريح في الرتم مثل منارة فضية. يتأمل القمرُ حلم القرية الصامت. ما زلت أري الجزيرة حينما أغمض عيني، كل شيء ما زال محفوظاً. لن يأتي الشتاء ليعري أشجار ذكراي. ما زالت لديك الحركة الساكنة للحظة هيامك بي.
غرفة في فندق، 1931 (إدوارد هوبر)
لو كان هنالك وعد بينك وبيني،موعد مؤجل، هنالك نور في البعيد قادر علي أن يقودني، لو بقي أمل وإن كان ضئيلا وحزينا، لو تلفظت شفتاك مرة العبارة الفانية التي أحن إليها، أو شيئا يتناهى مماثلا في مسمعي، أعتقد أنني سوف أجد مبرراً للاحتفاظ بك. من يدري إن لم تكن مقايضة الجسد بشكل ما وعداً؟
عن حب مهذب "يا الله، يا الله ما له الفجر يأتي سريعاً..." شذرة ذات سحر من القرن
ثانية، أحببتني برهافة قصوى، الوحوش أيضاً يمكنها أن تستعمل التهذيب، وإن كنت عارية، فقد عريت جسدي مخترقاً الجلد بالأنياب والأظافر، جميل هو الألم ومؤلمة هي الرغبة، وأنت بعد أجمل، ولذلك فأنت جارح أكثر، وجميل تملكك ما بين الدم و الرضاب، موثوقاً ومحموماً وبعد جائعاً. يرغب الإله والجسد توقيع حلف ليمتد الليل ما بعد الليل، ولينطفئ المصباح الذي يعلن الفجر لأن الصباح لن يبزغ سوى تحت الشر اشف.
أقنعة
يتخفى وجهك كل يوم بين الناس قاطبة في حركات مألوفة، لا إشارة لصمتك العذب، لارتعاش شفتيك تحت القبل أو في استعجال الجنس. قناع لذاتك، تتنكر وتتنصل من الوصمة الحساسة في الطرف الأكثر هشاشة منك، عيونك وحدها تتابع ببسالة، معلنة الشوق الذي يهزمك في غرفة نوم الماء.
عن الأحلام
ماذا لو أدعوك الآن إلي أحلامي؟ شفتاك من تفاح فوق الجلد الشهي لأربيتي طوال الليل، قل ماذا تفكر؟ رضابك من فاكهة، في خفة يعطر محيط بطني الجائع... يا للحصاد الأعذب لعالم بلا شمس ( بذار ومداعبات وتيهان) قل لي: ألا تأتي إن دعوتك إلي أحلامي هذه الليلة أيضاً؟
ليس حباً
ليس حباً، ليس
حباً الارتعاش
الذي
تهديني، الانطلاق الجامح
للرغبة، ليس
حباً. من شفافيته يغدو
الجلد
روحاً يبلورها العرق،
فتنجلي خالصة، لكن وحده
الوقت يؤخر جسدك
هذا
الجبار عن الانكشاف عبر
الانفجار، ليس حباً، أعرف ذلك، لكني
لست أدري أي
شيء سيكون، لكنه ليس
حباً.
القديس يوحنا الساعة 19 و34
دقيقة
لربما كان
جهلاً ولكنه ليس خبثاً،
فالخيانة لا تتسع لكل هذا البهاء
الأسمى.
أنت
لست
قاسياً بل أنت
جاهل، بغتةً شققت خاصرتي، في
لمحة فقط، في رشقة خاطفة فقط،
في
نظرة.
وهوى قلبي مثل
ظل.
هبات الذاكرة
إن لم أستعد الهبة النفيسة لوطأتك إن لم يتهشم قفاك ثانية تحت عبودية مداعباتي، ولم تأسر ركبتاك الظلال ثانية، إن لم تعذبني ثانية بمعجزات جسدك ورغباتك الوئيدة، انظر، لم يعد يهمني: أستطيع أن أعيد خلق كل شيء من أجلك، تشكيلك، انقاذك في الساعات المفترسة، أستطيع أن أحيا من خلال الأشياء التي سلبتك إياها، من ريع الحب الذي خلفته منسياً في سريري مثل قشرة حزينة.
شوارع أصيلة
وددت أن أكتب " أزرق " فعثرت علي صفاء شوارعك المغطاة بالفيروز والأزهار، الجير في مواجهة صمت سماء ذات صيف، زوايا حيث تطرز الشمس الظهيرة، خزامي ونعناع، البحر الشامخ والحياة وأيضاً الصخب اللطيف الأزرق لاسم ما.
حياة متناقصة
عشت أكثر من حياة لأنني كتبت جسدك، لأنني بحثت عن صفات محددة سوف تحكي عن مستهل جلدك وعن قبلاتك الفظة، لأني سميت مدناً لأجل متعتنا وعمدت بالذهب والنجوم المساءات التي تبادلنا فيها الهوى كما لو أن الأمر كان حقيقة، إن كنت الآن محكوماً علي أن أستمر إنسانة، أن أواجه حكاية، جملة لا لبس فيها، قل لي كيف يمكنني أن أتضاءل، أن أبتلع ريقاً وأجهض الكلمات قبل أن تزهر باسطةً أمام عيني مروجاً. قل لي كيف أعيش ما تبقى لي من الحياة.
خيانة لا يمكن تلافيها
إن كان ينبغي للأرض في الختم أن تنهش عظامك الناعمة، ولفمك أن ينام مثل سحلبية غضة تحت جذور ونباتات متسلقة، ماذا يهم أن تكون منكشفاً وسهل المنال، أن توجه رضابك نحو أخاديد أخرى، أن تقتص من ذاتك إرباً إرباً مثل صورة مدنسة قاسية ومقدسة، إن كان في الختم ينبغي لك أن تكون رغماً عن جسدك المشرق ورغماً عن كل رغبة توجْتُكَ بها رفاتاً بهياً يتملكه الموت...
أيام من نبيذ وورود للحياة أن تمنحني مزيداً من الورود ومزيداً من النبيذ، لي أن أري البحر من مرفأ روداس في ليلة حارة ومبتهجة من أغسطس بعدها سيمنحني الحب أكاليل زهر تطوق عنقي، وبعد سأنام بين ذراعي إله غير وقور: النشوة والإفراط. جسدي لربما حتى وإن اكتشف حينئذ سمات الألم، إشارات لا يهزمها الجلد، فللحياة أن تمنحني نصيبي من الدهشة.
خوسيفا بارا: من مواليد مدينة سيريس من أهم الأصوات الشعرية النسائية في إسبانيا حاليا، حصلت علي عدة جوائز شعرية:
جائزة بريفي دوميك للشعر 1989
جائزة لوي للإبداع الشعري 1995
الجائزة الدولية للشعر باب الشعراء 1999
جائزة لويس ثيرنودا عن ديوانها "علاج الندب" (تحت الطبع) 2000
نشرت عدة دواوين شعرية أهمها:
مديح العشبة الخبيثة 1996 جغرافية الجسد 1997 غرفة نوم الماء 2002
تم إدراج قصائد خوسيفا بارا في عدة أنطولوجيات للشعر الإسباني:
الفضة المنصهرة 1997 لهن سلطة الكلام 1997 الشعر المتعدد 1998 نساء من لحم وشعر 2002 الأربعون الأساسيون 2002
خالد الريسوني - 2 تشرين الأول 2003
نأسف من جريدة السفير على عدم توفر أي عنوان لمحمود درويش لدينا 4-8-2006
|