|
P.C.Manifesto
أنت الزائر رقم:
نحو خطاب ثقافي فلسطيني مغاير A Palestinian Cultural Manifesto) )
بقلم: تيسير نظمي By Tayseer Nazmi
من الضرورة أن يسمو الخطاب الثقافي الفلسطيني الى مستوى التضحية والعذاب والإبتكارالذي رافق مسيرة الآلام التي تعرض لها الفلسطينيون في العصر الحديث، و من الخطورة أن يكون الثقافي ذيلا أو ملحقا بالخطاب النضالي و الكفاحي و تعدد خياراته المرحلية والمكانية و أشكاله التحررية . فقد اتضح لنا بما لا يدعو للشك طوال النصف قرن الماضي على الأقل، أننا نتعامل مع ثقافة مريضة و أناس غير طبيعيين. مع" آخر" مريض باستمرارية لعبه لدور الضحية و الجلاد في آن واحد . فمن كانوا يتعرضون للاضطهاد النازي في أوروبا يمارسون دور جلاد يهم اليوم في فلسطين. مبررين لأنفسهم كل الأفعال المشينة التي يرتكبونها بحق شعب أعزل بأنهم إنما يقومون بحماية أنفسهم و في خيالهم المريض أصبحت " دولة اسرائيل" كأنها جيتو من أمثال جيتو بولندا أو جيتو جادويغا وليست دولة عصرية مسلحة نوويا و عسكريا بأحدث مبتكرات الفتك و التدمير و طائرات و مروحيات مهداة من العم سام تتدفق بلا انقطاع عليهم منذ نصف قرن. و المرضى في التقاليد الثقافية و الحضارية الناضجة ليس جديرين بغير الإشفاق و العلاج. علاج الإسرائيلي من نفسه، و حمايته أولاُ مما يرتكبه من حماقات. و سواء كان تاريخ الجيتو اليهودي مفروضا أم مختارا فإنه اليوم خلاصة الصورة المقدمة للفلسطينيين عن انفسهم و عن مستقبلهم، فتكفي نظرة واحدة على خارطة الدولة
الفلسطينية المدعاة و المتعددة الأشكال و الأشلاء منذ مشروع ألون حتى أفكار شارون أن تذكرك بأن الطرح الذي يقدمه جنرالات إسرائيل للفلسطينيين ليس مجرد كانتونات أو بانتوستونات متفرقة و معزولة، بل انها جيتوات يصل تعدادها في إحدى هذه الخرائط إلى 22 جيتو في الضفة وحدها. و بعد 54 عاما من إنشاء احدث دولة في الشرق الأوسط و أغرب تجربة استعمارية "كولونيالية" غير منسجمة مع محيطها و لا تريد هذا الانسجام و التواضع، تجد أن الإسرائيلي لا يراد له أن يتقدم في دولته المعاصرة، و لا لصورته عن نفسه في الجيتو أن تتغير، فالمستعمرات "المستوطنات" التي تم إنشاؤها و التي لن يتم التخلي عنها بسهولة – كما يتصور السياسيون – ليست في محيطها و خاصة في الضفة الفلسطينية سوى جيتوات في إطار الحل المتخيل و لو مرحليا للفلسطينيين. و بعدم الانسحاب الإسرائيلي من الضفة و التخلي عنها يريد جنرالات إسرائيل للطرفين أن يعيشا في الجيتو. الفلسطينيون في جيتوات ما كانت بلادهم و الإسرائيليون في جيتوات ما آل إليهم من أراض و مساحات تسميها الميثولوجيا الدينية " يهودا والسامرة". و فضلا عن أن الإسرائيلي- بشكل عام- لا يريد الانعتاق و التحرر لغيره فانه لا يريد لنفسه أيضا أن يتحرر من تبعية الآخر إليه. و إسرائيل – الشارونية- المنتخبة !!- ليس لديها عن نفسها سوى صورة الجيتو و ليس الدولة القابلة للعيش بأمان ضمن حدود معترف بها، و ضمن الشرق الأوسط الذي بدلا من ان تلعب دورا رياديا فيه حسب الإدعاءات الصهيونية المبكرة و بدلا من أن تصغي جيدا لنصائح أرنولد توينبي لها في الخمسينات، تلعب اليوم دورا تدميريا للمنطقة و
لنفسها و لصورتها في العالم أجمع. كيف لا و قد اختارت الضحية لتعيد انتاج نفسها في صورة جلادها،ليصبح الفلسطينيون اليوم يهودا رغما عنهم ليس في أوروبا النازية بل في الأرجاء العربية التي ما يزال المخيم الفلسطيني فيها يذكر بالجيتو اليهودي و أكرر أن لا أحد في الاعلام العربي و الثقافة العربية معني بالصورة الواقعية و الفعلية للواقع، واقعه هو و موقع الفلسطيني فيه و مخيماتهم . و لا هو معني بمآل و شكل الدولة المفترضة أو الممكنة فعليا للفلسطينيين،اذ يبدو الحديث بالمطلق و العموميات أسهل للثقافة العربية و الخطاب السياسي العربي، في حين أن أشد و اقل التفاصيل هي ما يدفع الفلسطينيون و الاسرائليون دماءهم لها. و اذا تماثل الخطاب الثقافي الفلسطيني و اندغم تحت أشد الذرائع القومية إخلاصا له فإنه يفقد مبرر و جوده و وجود شعبه و خصوصية و تعقيدات قضيته الوطنية. فليست فلسطين مجرد عمود للشعر العربي أو قصيدة من قصائد النثر المحدث أو الشعر الحر كي نتفق أونختلف عليها، و ليس في الأمر أية شوفينية أو دعوة للإنعزال ما دام أبناء مخيم/ قلعة جنين ماثلين و منفتحين على هذا العراء العربي القاحل . ولعلها من المفارقة أن يطرح كاتب فلسطيني هذا الطرح ليزيد الأعباء على الفلسطينيين عبئا، لكن من قال ان عذاباتنا و عذابات شعبنا لا ترقى لعذابات الأنبياء أنفسهم؟!
II
... لما سبق أعلاه ، تتحمل الثقافة الفلسطينية ثلاثة أعباء مركبة و مترابطة ، الأول منها يتمثل بواقعها في العروبة والإسلام والتاريخ لكونها جزء لا يتجزء تماماً من الثقافة العربية الإسلامية التي يفترض أن تتمايز عنها لتمايز الضرورة الواقعية في اتجاه التقدم والتطوير، بمعنى أن تنتصر لقيم العدالة والحرية والتقدم لتجترح الإنساني والعقلاني والتقدمي فيها. وثاني هذه الأعباء هو ثقافة الآخر الكولونيالية الداعية للإنغلاق والجيتو وسياسات الفصل العنصري والتمييز والإقصاء الممثلة بوضوح في خطط الجنرالات في الآلة العسكرية الاسرائيلية وايدولوجيا الحرب التي ينتهجونها . أما العبء الثالث فهو المشترك مابين خلاص الذات وتحررها وبين التطلع لآفاقها في العالم متعدد الثقافات المهددة بأخطار العولمة ذات القطب الواحد وثقافة الهيمنة الأمريكية وإلغاء الخصوصيات الحضارية وتعدديتها. وما لم يدرك المثقف الفلسطيني هذه الضرورات الثلاث لتمايز ثقافته بكل أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية فإنه سيفشل في مواجهة تحديات التحرر والبناء. التحرر من مكبلات الذات في ثقافته العربية والتحرر من هيمنة و بطش الإحتلال و ثقافته الكولونيالية " المريضة" كما التحرر من طوفان العولمة الطاغي و المهمش لكل خصوصية على طريق بنية جديدة للإنسان الفلسطيني و حريته و مجتمعه و وطنه.
فقد فرضت ظروف الشتات والحروب الخاسرة و المستمرة على الشعب الفلسطيني أن يعيش في مختلف أرجاء العالم و يتعايش مع مجتمعات و ثقافات متباينة و لذلك لم يعد ممكنا أن يكون خيار هذا الشعب الانغلاق على نفسه في دولة يتم رسم خرائطها من قبل جنرال عسكري أو أمني، حتى و إن اتفقت القيادات السياسية الفلسطينية و الإسرائيلية يوما ما على شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، أو الكونفدرالية أو الحكم الذاتي، لأن شعبا عاش وسط الشعوب الأخرى و الثقافات الأخرى أكثر من نصف قرن يصعب زجه في جيتوات معزولة عن بعضها البعض، فالإنسان في العصر الحديث يعيش بثقافة أوسع من حدود دولته و أكبر من الجيتو أو الكانتون المكبل به جغرافيا و أمنيا . بكل بساطة أصبح الشعب الفلسطيني بعد 54 عاما من النكبات و المجازر و التفرقة و الاضطهاد أكبر من دولته المنشودة، و أكبر من ثقافته القومية و الدينية في أطرها المعروفة، و كما توقع له المؤرخ توينبي ظل شعبا حيا يستجيب للتحديات و يبتكر التضحيات، لكنه مع ذلك لم يجد عددا كافيا من الأدباء و الفنانين الذين يحولون كافة ملاحمه البطولية في النضال أم في الحياة إلى ما يستحقه من أعمال أدبية و فنية خالدة. أبدعنا كافة أشكال نضالنا و فنون بقائنا و لم نبدع "إبداعنا" الخاص و ثقافتنا المغايرة. و ما يحول دون ذلك ليس " العدو الصهيوني" و "التآمر الكولونيالي" و حسب ، بل أيضا ثقافتنا العربية و واقعنا العربي الرسمي و الشعبي . ليس في الأمر مبالغة أو سقوط في مقولة " شعب الله المختار" ، لكنه إمعان في تأمل الشعب المختار كي يكون الضحية طوال 54 عاما منحت فيها شعوب أقل منه شأنا في التعداد و التاريخ استقلالا و دولا و مؤسسات و على حساب الفلسطينين توالدت أنظمة عربية و تفاقمت و فقست تحت شعار تحرير فلسطين. و إذا كان المهاجرون العرب من دول شمال افريقيا لبلد مثل فرنسا أصبحوا فرنسيين كاملي حقوق المواطنة و العيش و الثقافة فإن الفلسطيني في الدول العربية ازداد فلسطينية و ازدادت مخيماته و تكاثرت و تناسلت و مايزال في حسابات بعض الدول مستضافا 54 عاما، أي بمعنى آخر غير مرغوب فيه رغم كل عطاءاته، و لا نقول إنسانيته منذ نصف قرن!
هل في ذلك فشل فلسطيني أم أن معظم الدول العربية ليس باستطاعتها استيعاب ثلاثة فلسطينيين مثلا؟ الجواب، نعم، لأن الفلسطيني بالضرورة أن يكون ديمقراطياً، و لذلك سيكون مثل الفيروس في الأنظمة الديكتاتورية، والفلسطيني الذي يحمل حزاما ناسفا من الصعب أن يكون و قودا لمنسف أو بقرة حلوبا لغيره فيصمت عن الظلم. ألم يكن ناجي العلي أكبر بما يمثله فنيا و نضاليا و إبداعيا من أن تحتمله عدة دول عربية عندما اختار لندن كضمانة لحريته، حيث تم اغتياله أيضا؟ بمثل هذه الثقافة أصبح الفلسطيني أكبر من أن ترصده دائرة الإحصاء أو موظفي الاستخبارات و الأمن أو دوائر الأحوال المدنية، لذلك مطلوب تدجينه ، رشوته،استمالته، سرقته، وحتى سرقة دوره كما يحدث في بعض الأقطار التي يتقمص بها مناضلون عربا دور الفلسطيني و وظيفته. و هذا ما لم يستوعبه المثقف الإسرائيلي و ما فشل الأكاديميون الإسرائيليون في الاستجابة إليه في وقت مبكر عندما أشار إليه توينبي في مراسلاته مع أساتذة جامعات عبرية. لكن بعض هؤلاء الأكاديميين يعترف اليوم بأن المجتمع الإسرائيلي لم ينضج بعد كي يدرك هذه الحقائق، و ما زال مسكونا بمخاوف من صنعه و صنع ثقافته و هذا ما يجب أن تتنبه إليه الثقافة الفلسطينية المغايرة. أي أن لا تندغم في ثقافة عربية ديماغوجية اندغاما يفقدها استقلالها الذاتي و قدرتها على تحمل عبء ثقافة الآخر المريضة أو غير " الناضجة" كي تدرك نفسها و تدرك تلك الثقافة "المريضة" أن الحياة ممكنة مع الفلسطينيين أكثر مما هي ممكنة مع غيرهم. و أن المنطقة برمتها من المستحيل النهوض بها و بنائها و تحقيق السلام في ربوعها دون تحقيق الحد الأدنى من العدالة والحرية للفلسطينيين فيها. و هذا بحد ذاته مبرر و جيه لثقافة فلسطينية مغايرة و هوية فلسطينية أكيدة و طموحة في تجاوز المعوقات العربية منها و الإسرائيلية على طريق الثبات النسبي في وجه العولمة القبيح. ففي عام 1982 كتب بهذا المنحى كاتب فرنسي هو جان جينيه " أربع ساعات في شاتيلا" ما لم يكتبه كاتب عربي أو فلسطيني آنذاك بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ذات الأبعاد العربية الإسرائيلية المشتركة. وفي أعقاب النكبة الأولى عام 1948 كتب يزهار سميلانسكي " خربة خزعة" التي لم تكتب عربياً عن النكبة وعام 1974 صدرت الطبعة الثانية من رواية " المجتثون" للكاتب الفلسطيني فواز تركي بعد نيله الجنسية الأسترالية عن دار نشر غير عربية أو إسرائيلية في كل من لندن و نيويورك وما تزال محاصرة عربياً وفلسطينياً ومن نافل القول أن نقول إسرائيليا ونحن نتحدث عن خطاب ثقافي فلسطيني مغاير.
III
أما حيثيات المنع و التجاهل الفلسطيني لرواية " المجتثون... يوميات منفى فلسطيني" فقد تمثلت بالنقد الصريح الذي وجهه فواز تركي لمنظمة التحرير الفلسطينية و لكافة الفصائل سواء من منطلقات تجربته الحزبية المبكرة في إطار الحزب القومي السوري الإجتماعي أو من منطلقات تروتسكية في وقت كانت الستالينية مستحكمة بفصائل اليسار العربي عموما و ليس الفلسطيني و حسب.و اذا تمت إعادة الإعتبار لمفكر مثل جورج لوكاتش أو لشاعر مثل لويس آراغون أو لمفكرعظيم مثل تروتسكي فإن إعادة الإعتبار لفواز تركي ماتزال بعيدة للأسف لأن الثقافة الفلسطينية المغايرةلا تشكل حتى الآن تيارا أو جماعة فاعلة و هي خلافية في إطارها العربي
أيضا . و في إسرائيل "... الديمقراطية !" تم منع التداول المسرحي لـ"خربة خزعة" و غيرها من الأعمال التي نزعت منذ البداية لتشكيل ثقافة إسرائيلية واقعية منيعة بتوجهها البكر على المرض و الإرتداد. و تم تقديم بعض الكتاب الإسرائيليين للمحاكمة لمخالفتهم السير مع التيار السائد في إسرائيل و خلق معوقات وكيل الإتهامات لبعضهم الآخر مثل إسرائيل شاحاك الذي نفض الغبار عن الميثولوجيا الدينية وكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل دون مساحيق و دون رتوش و بخاصة أطماعها التوسعية و ايدولوجيتها العسكرية الخالصة في" أسرار مكشوفة" و غيرها من مؤلفاته الهامة. لكن المفارقة كانت صارخة مع كاتب مثل عاموس عوز الذي تراجع عن إبداعاته و رؤاه الروائية في كل من "ميخائيل الذي يخصني" و "الحروب الصليبية" فبعد أن طرح في الأولى إمكانيات التعايش في القدس الغربية في أيار 1967 لم يصمد على خط مواز سياسيا لهذه الطروحات في ظل حكومة شارون ، و لا صمد في الثانية في حرب بوش الإبن ضد دول " محور الشر" و انسحب ربما لرواياته اليمينية المتطرفة التي بدأ بها حياته الأدبية غير قادر على إستنهاض ضمير إستيقظ فجأة ثم ما لبث أن نام على مكتسبات و مجد صنعته له ثقافة الماضي، ثقافة الجيتو، متصورا أن نيل الفلسطينيين لإستقلالهم الشكلي سيقوض دولة إسرائيل، و هو محق في هذا إذا إعتبرنا أن إسرائيل مجرد جيتو في الشرق الأوسط و لكنه واسع الطموحات و متسع لكافة التحولات التي تجعل من حزب العمل حزبا ملحقا بحزب الليكود في أشد مراحله خواء و إنعدام رؤية، حتى العسكرية منها. ذلك أن إجتياح بيروت عام 1982 مهد الطريق لتواجد منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها و في أوساط شعبها مثلما هو إجتياح عام 2002 بنفس العقلية تدمير لمعسكر أوسلو و إستنهاض لإرادة شعب مصمم عى دحر الإحتلال بكل الأشكال المتاحة أو المبتكرة. رغم أن ثمة فرق بين إبداع اليائس و إبداع المتفائل. مثلما يمكنك أن تتلمس الفرق بين سامي ميخائيل و إسحق باشفيك سنجر، أو بين غسان كنفاني و أميل حبيبي ، بين رشاد ابو شاور و فواز تركي، وبين رفعت السعيد و يوسف إدريس، بل بين هنري ميلر و جون شتاينبيك مؤلف " عناقيد الغضب" الأمريكية مثلما هو الفرق بين موشية شارت و مؤلف " عناقيد الغضب " اللبنانية شيمعون بيريز، مثل هذه التلاوين لا يجب أن تخفى الفروقات بينها في درجات اللون و العمق و حدة الرؤيا و ضيقها من إتساعها على الثقافة الفلسطينية المغايرة . تماما مثلما لا تخفى على الناقد المتابع الفروقات بين نتاج محمود درويش في " مديح الظل العالي" و "حاصر حصارك" . ذلك أن المثقف كائن حي قبل كل شيء عرضة للتطور أو النكوص ، عرضة للشفاء و الإنتكاس و هكذا أدبه و أفكاره إن لم يكن ضمن تيار أو مسيرة تدفعه إلى أمام اذا وهن عن الثبات أو الإستمرار . و لأن الثقافة الفلسطينية المغايرة تم التأسيس لها في أكثر من مستوى إلا أنه تم تدمير لبناتها الأولى كي لا تتطور و تتحول إلى خلاص من الجيتو و الإنغلاق الذي يتمرتس فيه أشباه مثقفين في الخندقين، خندق العراء والصحراء المكشوفة و خندق الإمكانيات الهائلة عسكريا و إعلاميا في حرب تناحرية بين يمينين إحلاليين لا يمكن وجود الآخر إلا بمحو و إزالة " الآخر"، و هذا هو منزلق إبادة ليس للفلسطينيين وحدهم بما يمثلون من تطلعات بل للعرب أجمعين، الذين لم يتواجدوا بأي شكل واقعي أو إنساني في جل ماكتبه كاتب مثل ليون أوريس، فكيف سيكون شكل وجودهم في ذهن جنرالات الحرب؟
أظن أن فيلم" حنا K" " قد لامس المرمى هنا، فعند اول بادرة سلام حقيقية سوف تجد جيشا مدججاٌ لتدميرها. سواء كان هذا الجيش إسرائيليا أم جيشا عربيا لم يستفد أو قد لا يستفيد من إلتقاء فلسطينيين على طاولة واحدة أحدهم من حيفا و الثاني من غزة و الثالث من رام الله و آخر من القدس و الخامس من الأردن و السادس من أمريكا و سابع من أستراليا و ثامن من جزيرة العرب، لأن مثل هذا اللقاء بكل بساطة يشكل تهديدا لما تأسس عليه ذلك الجيش العربي! كما يثبت أن وشائج أرادت ثقافة الجيتو أن تمحوها على مدار 54 عاما ما تزال نابضة بالحياة و لم تمت بعد. إذ قد لا يظل الأمريكي أمريكيا إن هو إلتقى بفروعه و أصوله كما قد لا يظل عاموس كينان مطمئناً في طريقه إلى عين جالود تماما مثلما لم يعد نجل زئيفي مطمئنا في مصانع إربد التي غادرها دون أن يدفع للعاملات فيها أجورهن الزهيدة لثلاثة أشهر. و كان في السابق مطمئنا أن الثقافة العربية تدار من قبل أصدقاء و بناءا على إتفاقات سلام و مشرعون يفتون بناءا على الطلب بأن العمل بخمسين دينارا أردنيا في الشهر حلال صونا للعرض و الشرف غير نابهين إلى أن بنات الجليل الصامدات في حيفا و الناصرة و ما تبقى من قرى تم الإستغناء عنهن جراء ترحيل المصانع لمنطقة اخرى و لتكن إربد لتحقيق المزيد من الربح نتيجة رخص الأيدي العاملة و رخص الإنسان في غير بقعة عربية في ظل ثقافة عربية ! ماذا بعد! أجل..ربما نسيت أن عمان عام 2002" عاصمة للثقافة العربية" ... و أنا أتحدث عن فلسطين كعاصمة ابدية للثقافة العربية . لكنها فلسطين المستقبل ، فلسطين الثقافة المغايرة لكل ما هو سائد الآن ، لأننا لسنا كما قال الكاتب المسرحي السوري سعدالله و نوس:" محكومون بالأمل " .. بل لأننا باقون على الرؤيا، و محكومون بالعسكر.
IV
كان من المفترض أن تلتقط الثقافة الفلسطينية مسائل عديدة قبل أن يتم فرضها فرضا على الشعب الفلسطيني المناضل من إسرائيل و من الولايات المتحدة الأمريكية . ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، شنت أمريكا هجمة ثقافية مسعورة و تضليلية على ما أسمته " دولاٌ شريرة" و نشرت الصحافة الأمريكية قائمة بالأهداف التي صنفتها على أنها إرهابية في حملتها لمكافحة "الإرهاب" لتشمل جل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية و غير الأعضاء . و قد أرادت من ذلك أن تخفي جرائمها كما أوضح نعوم تشومسكي مرارا و تكرارا و تغطي على السياسة الخارجية الأمريكية التي أشار بريجنسكي نفسه لفشلها و على التناقضات الداخلية داخل المجتمع الأمريكي نفسه التي كتب حولها ريتشارد آرميتاج. و في هذا السياق إنطلق شارون من عقاله بدعم أمريكي منقطع النظير لاستكمال تنفيذ أفكاره في السبعينيات و تحطيم اتفاقات أوسلو و تنفيذ سياسة الترانسفير إن لم يكن بحرب الإبادة للمشروع الفلسطيني فبالسياسة طويلة النفس في العزل و الاستيلاء و التجويع، ليطلب في نهاية المطاف من السلطة الفلسطينية إجراء إصلاحات في بنيتها و كأن عدم وجود إصلاحات هو السبب الحقيقي وراء حرب الاغتيالات و الإبادة و تدمير الحلم الفلسطيني البسيط و الساذج بدولة كانتونات رفضها حزب الليكود جملة و تفصيلاٌ قبل أن يرى أية إصلاحات.
والعجيب أن مسؤولي السلطة في كافة تصريحاتهم لم يأتوا على ذكر إسم د.حيدر عبد الشافي أو الإشارة إلى مطالبته المبكرة بتنفيذ برنامج الإصلاح والبناء الذي ليس من مهمة عبدالشافي وحده المناداة به بقدر ماهو مهمة المثقفين الفلسطينيين كلهم و مهمة الثقافة الفلسطينية المغايرة، و ليس المتطابقة و المتماثلة مع المحيط الديماغوجي العربي الذي لا يقدم في خطابه لفلسطين أكثر من العواطف الجياشة و فرض الوصاية و توجيه النصح و الإرشاد. إذ لم يكن مع المثقفين الفلسطينيين في محنتهم سوى أقلام متفرقة وقفت ببسالة و موضوعية في وجه الهمجية العسكرية الإسرائيلية مثل عميرة هاس في جريدة هاآرتس الإسرائيلية و أوروي أفنيري الكاتب اليساري الإسرائيلي المعروف و في أمريكا ظل نعوم تشومسكي على مواقفه يفضح المخططات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على العالم و شعوبه الفقيرة. لدرجة تساءل فيها في لقاء معه: إذا كانت أمريكا قد قصفت أفغانستان لأنها تؤوي أسامة بن لادن فلماذا لا تقصف إسرائيل لأن شارون بها؟ فقد أوضح نعوم تشومسكي الإرهاب الذي تمارسه أمريكا و تعززه في كل مكان خلال عقود طويلة و أوضح أن خرائط ما لم تقدم لياسر عرفات في كامب ديفيد صيف عام 2000عندما إستدرجه الأمريكيون و الإسرائيليون للتوقيع على مبادرة كلينتون- باراك، التي دفعت أمريكا ملايين الدولارات لدولتين عربيتين تربطهما إتفاقات مع إسرائيل كي تمارسان الضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بكامب ديفيد و إنقاذ باراك. و إذا كانت أمريكا تريد محاكمة مجموعات بن لادن و تنظيم القاعدة تحديدا فإن بعض الأنظمة العربية سنت قوانين مؤقتة لإعتقال و محاكمة كل من يبدي تعاطفا مع المعارضين لأمريكا بحجة مكافحتها هي الأخرى للإرهاب . و إذا ما تعلق الأمر بمدينة نيويورك فكل خطابات
بن لادن تعد لا شيء في الفكر و الوجدان أمام مقاطع من رواية الكاتب الأمريكي هنري ميلر المسماة " الكابوس المكيف" و التي كتبها في النصف الأول من الأربعينات في القرن الماضي قبل أن يولد بن لادن و التي أعتقد أنها تحتوي من ديناميت الفكر و العاطفة ما يكفي لتدمير نيويورك مرتين فهل لدى مثقفي ذلك النظام العربي الإستعداد و القدرة على محاكمة هنري ميلر مثلما حوكم مواطن أمريكي فيها لأنه من أصل فلسطيني ؟ وقد مارس الإعلام العربي و الثقافة العربية التعتيم الكافي على أمثال هؤلاء لدرجة أنني حاربت لمدة أسبوع من السين و الجيم في جريدة " العرب اليوم" الأردنية كي أنشر خمس ترجمتي لمقالة (محاضرة) نعوم تشومسكي الطويلة بعض الشيء عن تحليله للأزمة الراهنة في الشرق الأوسط . و من قبلها حاربت كي أنشر في ذات الجريدة مقالة تشومسكي " إنتفاضة الأقصى". رغم أن تلك الجريدة و غيرها من الصحف العربية تصرف آلاف الدنانير على محرريها و مترجميها. فهل تمايزت الصحافة الفلسطينية كثيرا عن الصحافة الرسمية العربية في معالجتها لقضاياها و معرفة حلفائها الحقيقيين ؟ أم أنها كانت نسخة أخرى من ثقافة عربية رسمية و شبه رسمية تكتب برسم الدفع بالدولار و الباوند؟ و لماذا لم يرد المثقف الفلسطيني ردا معمقا على مفهوم بوش والإدارة الأمريكية لدول " محور الشر"؟ أو يحدد بجرأة أن نفس المفهوم بتقسيم الدول لدول شريرة و أخرى غيرشريرة كان مرفوضا أمريكيا و أوروبيا عندما طرحته الثورة الإيرانية بمضامين دينية. و هو نفس المفهوم الذي تستعيره اليوم إدارة بوش والثقافة الأمريكية السائدة و لكن بمضامين كولونيالية هدفها السيطرة والهيمنة وإن بالعنف المحلل لها المحرم على شعوب العالم و قواها التحررية. فاغتيال أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم تر فيه أمريكا ممارسة للإرهاب بأبشع صوره لكنها أقامت الدنيا و لم تقعدها عند إغتيال زئيفي، الذي يفترض أن تحاربه الأردن كأحد أبرز المتشددين في تنفيذ سياسة الترانسفير التي ترى أنها تضر بمستقبل الأردن، لكنها ويا للعجب كانت تسمح لنجله بإدارة مصانعه في عروس الشمال"إربد" ! و حبذا لو راعت الحكومة الأردنية المصالح الوطنية العليا في ذلك و لا نريد منها التورط في إغتيال زئيفي أو نجل زئيفي أو إغلاق المصنع تضامنا مع الشعب الفلسطيني. فغالبية المثقفين و الكتاب الأردنيين هم من أصل فلسطيني و مطلوب منهم التضامن مع أنفسهم أولا و مع هويتهم الثقافية حتى بصورتها غير المغايرة للسائد الفلسطيني . لكن هؤلاء أو أولئك يكتبون و يسطرون و يعقدون الندوات و يصدرون البيانات، و هذا هو حال الثقافة العربية، إنتاج قصائد ركيكة، الصمت أبلغ منها، والفعل اليومي للإنسان العربي المقموع أكثر نبلا منها و أكثر حيطة وحذراً.
V
خلال الغزو الإسرائيلي لبيروت صيف عام 1982 إستولت إسرائيل على محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني و لم تتعلم منظمة التحرير و قياداتها السياسية ببزاتها العسكرية من ذلك الدرس الشيء الكثير عند تسلمها إدارة و شؤوون السلطة الوطنية. فالثقافة و التاريخ و الذاكرة الفلسطينية باتت مطلوبة و ليس النخب الثقافية و حسب أو الفدائي و حسب، المخيم و حسب، الشعب و حسب، بل كل ما يعزز الهوية الوطنية على درب الإستقلال و الدولة. وقد جاء غزو إسرائيل الأخير ليؤكد مجددا على تدمير منجزات السلطة الوطنية في مجالات التعليم و الصحة و استخدام الحاسوب حيث جرى تدمير شامل لتكنولوجيا المعلومات. إذ يبدو أن إسرائيل مصرة على إبقاء الفلسطيني أسير صورتها هي عنه و تريد للعربي كذلك أن يبقى أسير صورتها المشوهة له ليرضي الخيال المريض للجنرال العسكري الذي لا يقرأ و بالضرورة لا يمكن أن يكون مثقفا إلا بثقافة عسكرية قتالية أو أمنية إستخبارية لا تستخلص الدروس و العبر . فقد دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى أوسلو بغطاء أردني ظل من الصعب عليها أن تتخلص من سلبياته. و إنعكس ذلك على الإعلام الفلسطيني و طواقم تم تدريبها في عمان. و من الضروري هنا التأكيد
على الظرف التاريخي الذي أبرمت به صفقة أوسلو . ففي 13 أيلول 1993 لم يكن الاتحاد السوفياتي موجودا. و بإختفائه تهلهلت البنية الحزبية لكثير من الأحزاب الشيوعية التي كانت شبه غائبة أو مغيبة عن واقعها المحلي لمصلحة أمنياتها الأممية. لذلك ركضت قيادة المنظمة في تونس مستبقة قيادات الداخل في الضفة و غزة لإبرام إتفاقات و حلول. ومن الطبيعي أن تكون تلك القيادة خالية الذهن عن ما يسمى المضامين الاجتماعية للسلام و القوى و الطاقات المنوط بها عملية بناء الدولة و مؤسساتها إن كانت تنظر بجدية لمشروع الدولة و الوصول إلى المرحلة النهائية من الحل الدائم . أيا كانت الحسابات، فقد تركت قيادة السلطة الوطنية جل طاقات و نضالات و عذابات شعبها وراءها و تقدمت بذات عقلية تواجدها في لبنان للإمساك بدفة قيادة الداخل التي عندما، أي قيادات الداخل، شاهدت بعض النماذج و العينات ممن كانوا شيوعيين مثلا بعد أن غيروا برنامجهم وإسم حزبهم، أبقت على كوادرها ضمن الأطر السابقة للحزب رافضة الإنصياع لحزب الشعب الذي اصبح بالنسبة لها لا لون لا
طعم لا رائحة. و هكذا بقي فقراء الضفة و غزة على حالهم معتمدين على سواعدهم و حقولهم و قوة عملهم. أما طواقم ما تبقى من مرحلة بيروت فقد وجدت لها وظائف في الأجهزة الأمنية و أخرى باتت أسيرة التمويل الأجنبي الذي تفاقم واستشرى في ظل سوء عدالة التوزيع و سوء مرامي الإستئثار بالمال والسلطة و هكذا وجد المثقف الحقيقي الملتزم نفسه ضائعا غريبا في وطنه و غريبا عمن كانوا رفاقه و أصدقاؤه و أبناء عمومته في الشتات. أما الطاقات الفلسطينية و الثقافة الفلسطينية في المنافي العربية فحدث و لا حرج ، حيث هرول جلهم كالأيتام على موائد اللئام للعمل مع الأنظمة العربية على إختلاف مآربها و هرول اليسار العربي للتمويل الأجنبي في اكبر إنهيار يشهده مفسحا المجال للقوى الدينية التي إستيقظت بالأمس على احتلال القدس بعد أن كانت مشغولة بتحرير أفغانستان . أو لتلك القوى التي أعدتها أنظمة عربية لتكون بديلا لمنظمة التحرير في حال عدم انصياعها و هرولتها إلى مدريد.و هكذا تراجعت الثقافة الفلسطينية و تدهورت أحوالها لأنها لم تكن منذ البدء ضمن التفكير الاستراتيجي للقيادة الفلسطينية . الأمر الذي يؤكد ما ذهب إليه فواز تركي منذ نحو أربعة عقود بأن القيادة الفلسطينية تقود شعبها و تسير أمور قضيتها بالتكتيك و
بدون إستراتيجية واضحة، و جل الطاقات الفلسطينية الثقافية باتت اليوم في المنافي العربية و الأجنبية و يكفي أن نقول أن الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين لم يعقد مؤتمرا واحدا منذ شباط1987 فهل يعقل هذا؟ خمسة عشر عاما يقبض بها بعض الكتاب رواتب شهرية لقاء صمتهم عن الفساد و صمتهم عن الإصلاح و يموت بها مناضلون جوعا و كمدا و بطالة في الأردن و غيرها من البلدان العربية ! فالإصلاح كان مطلوبا و كان ضروريا في كل مرحلة من مراحل الكفاح الوطني لكنه جاء للأسف بناء على طلب أمريكي/ إسرائيلي بقصد كسب الوقت و التهدئة تمهيدا لمجازر أخرى ستقودنا القيادة الفلسطينية بعد إنتهائها لأداء ركعتين تحية المسجد في الأقصى منتصرين أو في كنيسة من الكنائس مهجرين.
VI
إكتسب الخطاب الثقافي/ السياسي الفلسطيني في أوائل السبعينيات اهميته الإستراتيجية المتميزة من طرحه لشعار الدولة الديمقراطية العلمانية كسبيل لحل مسألة الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي حلا أمثلا تجاوز المبررات و الأيديولوجيات الدينية التي طرحتها إسرائيل قبل تأسيسها عام 1948 من خلال الحركة الصهيونية و منظماتها المتعددة و من خلال المنظمة اليهودية العالمية منذ البدء. لكن، مع خفوت حركة التحرر العالمية و من ثم انهيار و تفكك الاتحاد السوفياتي تراجعت الحركة الوطنية الفلسطينية عن أهم شعار طرحته و لحسابات براجماتية محضة تراجعت عن أهم النقاط الجوهرية في إستراتيجيتها باتجاهها نحو الطروحات الدينية حيث بدأت عدة فصائل تعالج موضوعة إسرائيل و موضوعات الصراع معها من منطلقات دينية وتشير في أد بياتها إلى إسرائيل و الحركة الصهيونية بصفتهما الدينية كيهود بعد أن كانت كلمة " يهود" في أد بياتها لا تشمل كل اليهود في مختلف مناطق تواجدهم طالما اليهودية بالنسبة لهم ديانة أكثر منها قومية،(يهود نابلس و صفد ويهود ناطوري كارتا مثلاً) و طالما اليهودية بالنسبة لهم ليست حقا تاريخيا في أرض الميعاد (نعوم تشومسكي الأميركي على سبيل المثال لا الحصر) و قد أخطأت الحركة الوطنية و بالذات التقدمية الفلسطينية منها في هذا الأنزياح السياسي المحض عن الجوهري الثقافي الأكثر رسوخا لأسباب متعددة منها:
- إن الوجود الكنعاني و من ثم الفلسطيني- الفلسطنز- في أرض فلسطين أو أرض الكنعانيين سابق بآلاف السنين على نشوء الديانات الثلاث (منذ الطوفان وسيدنا نوح عليه السلام ). و هذه الحقيقة التاريخية غير القابلة للنقاش تجمع و لا تفرق و تؤاخي و لا تبذر الصراع و أممية أكثر منها إقليمية أو طائفية أو عنصرية أو عرقية بدليل تمازج و انصهار الفلسطنز المتحدرة أصولهم من جزيرة كريت مع الكنعانيين الذين أثّروا وتأثروا بحضارة النيل والرافدين. فإذا كان الكنعانيين تواجدوا في مدينة مثل أريحا منذ عشرة آلاف عام قبل الميلاد و الفلسطنز على السواحل المواجهة للبحر الأبيض المتوسط منذ 1700 ق.م. و إذا كان الكنعانيون موجودون في القدس المدينة منذ نحو 3600 سنة قبل الميلاد أي سبقوا هم واليبوسيون مملكة داوود بنحو ثلاثة آلاف سنة و لهم آلهتهم وتراثهم و طقوسهم و معتقداتهم التي قبلت بسيدنا إبراهيم عليه السلام مواطنا و إنسانا بعد أن قدم اليها من بلاد الرافدين وبابل و آشور راحلاً أو ضيفا أو زائرا (1) . فإن نشوء مملكة داوود (استمر 300 سنة) و من ثم مملكة يهوذا في الشمال خلال الألف سنة ما قبل الميلاد(لم تتجاوزا 414 سنة) ليس له اليوم ما يبرر الرجوع إليه باعتباره حقا تاريخيا غير الطرح الديني للمسألة. فقد دارت الصراعات في تلك الأرض منذ القدم بين أقوام و قبائل و حضارات و أمم ( الفراعنة والآشوريين والفرس والرومان) على أسس اقتصادية، على المراعي ووسائل الإنتاج الزراعي البدائي قبل أن تتمظهر تلك الغزوات
1 و الصراعات بقناعها الديني (الحروب الصليبية مثلاً). و تشير " التوراة" نفسها إلى نحو 500 سنة من الصراع مع الفلسطينيين ، لدرجة أن النبي موسى عليه السلام الذي قدم بما عرف فيما بعد باليهود من مصر الفرعونية إلى ارض فلسطين مات في أرض مؤاب دون أن يحقق نصرا يذكر على الممالك والمدن الفلسطينية التي كانت قائمة وراسخة آنذاك وعصية على الغزو والاجتياح(من 1500ق.م. خروجهم من مصر الفرعونية حتى 1000ق.م. عندما تمكن سيدنا داوود من اليبوسيين وغزو مدينتهم) ، بل أن ما تحقق ليوشع بن نون في أريحا ماكان ليتحقق لولا أن العبرانيين إستفادوا من قدرات خصومهم الفلسطينيين و وحدتهم و تحضرهم.
يرى بعض المؤرخين أن الفلسطينيين المعتمدين على فلاحة الأرض و الاستقرار فيها وعليها كانوا على الدوام أكثر استماتة و شراسة وأشدّ بأسا في الدفاع عن أنفسهم وعن ممتلكاتهم في وجه الغزاة من أولئك الذين كانوا لا يزالون في الطور الرعوي من الحضارة و يرجعون أسباب تمكن العبرانيين من إنشاء أول مملكة لهم في جنوب فلسطين إلى هذه الأسباب، و ما من شك أن " التوراة" بشهادتها تلك إنما تشهد ضمنا أن الكنعانيين و الفلسطينيين موجودون وجودا حضاريا على أرضهم و منهم ومن لغتهم تفرعت لهجات مثل العبرية التي لم تكن سوى لهجة في البدء من ا للهجات الثلاث للغة الكنعانيين السامية (الفينيقية والحيثية والعبرية) . و بالتالي فإن العنصرية و الإنغلاق و الإنعزال ليست بجديدة على شارون – جدار الفصل العنصري- و إنما هي موروثة منذ قدم كل الطروحات و الأيديولوجيات الدينية.
إن الحركة الصهيونية و إسرائيل بالتالي أول المستفيدين من الطرح الديني و أول المستفيدين من التراث الكنعاني الفلسطيني، فالطرح الديني هو الذي يعزز الهوية القومية الصهيونية الإسرائيلية و هو الذي يؤدي إلى المطالبة بدولة يهودية صافية النقاء خالية من بقية الملل و الأعراق و الأديان. ففي الوقت الذي تجد إسم إله الكنعانيين إيل موجودا حتى في الشق الثاني من كلمة إسرائيل و كلمة اريئيل ( الشق الأول من إسم شارون) و في مقدمة كلمة إيلات، فإن الثقافة الإسرائيلية تعزز انتمائها للتاريخ و لفترة تاريخية لم تكن من حقهم تاريخيا لوحدهم ً قبل قيام مملكتي داوود –في الجنوب- ويهوذا –في الشمال- إذا ما احتكمنا للمفاهيم الدينية من خلال اندماجها- إسما و شعارا ولغة و أمكنة في تاريخ الكنعانيين و الفلسطينيين سواء بسواء ونتيجة بالتالي لاحتلالها كمواقع لأمكنتهم و أرضهم التاريخية و استيلائها على حضارتهم و تراثهم وآلهتهم و مخطوطاتهم و آثارهم التي تعود إلى العصر البرونزي و فترة ما قبل التاريخ أي الفترة التي لم يكن قد توصل فيها الكنعانيون لاختراع الأبجدية (مخطوطات أوغاريت شاهدة على ذلك) و استيلائها و تحت الغطاء الديني منذ الألف الأول قبل الميلاد على تراث السكان التاريخيين لتلك الأرض ما بعد التدوين الذين استفادوا عملياً من الحضارات الفرعونية والآشورية والفارسية والرومانية و مثال ذلك استيلائهم على مخطوطات البحر الميت و ما عرف بمخطوطات قمران و وصولهم إلى الآثار والنصوص البابلية
1 الآشورية التي تفيد عن ذلك التاريخ بما عليها من لغة الكنعانيين (الفينيقيين و الأموريين واليبوسيين) و الفلسطينيين الأوائل خاصة بعد احتلال العراق و التغلغل الإسرائيلي الأميركي في تراث و آثار و متاحف بلد هو سليل واحدة من اقدم الحضارات التي شهدتها المنطقة منذ القدم.
3- إن الطرح الديني من الجانب الفلسطيني يحيل القضية الفلسطينية إلى خارج إطارها الحيوي المتمثل في حق الفلسطينيين التاريخي في أرضهم و تراثهم و تاريخهم و مستقبلهم المبني على هذه الحقوق مجتمعة، فالطرح الديني الذي يجعل من المشكلة الفلسطينية مشكلة عربية إسلامية إنما يحيل المشكلة إلى صراع يهودي- إسلامي غير موجود حقيقة، أو إلى صراع غربي- شرقي مع العلم أن اليهود القدماء كانوا شرقيين و ساميين أساسا كما و يجعل القضية الفلسطينية و بالتالي سؤال الهوية يضيع بين قبائل بني يعرب و دويلاتهم و بين الشعوب الإسلامية من إندونيسيا حتى أفغانستان و الباكستان وكشمير و إيران و تركيا، و كأن المشكلة الفلسطينية إما هي مشكلة عربية أو هي مشكلة إسلامية ليست من اختصاص وبسبب اليهود أو الإسرائيليين أو الغرب و على رأسه أميركا.
3- إن الإصرار على القدس ( بيت نينورتا أصلاً) عاصمة للدولة الفلسطينية إصرار يبدو لي أحيانا غير مبرر إذا ما أخذنا بالاعتبار أقدمية أريحا على القدس (يبوس التي بناها اليبوسيون) لكنه مبرر دينيا. فهل المشكلة الفلسطينية أصبحت مختزلة إلى هذا الحد في الأقصى الشريف؟ و هل مدينة القدس (2) أيضا مختزلة لدى الجانبين في " حائط المبكى" أو هيكل سليمان و مملكة داوود أو قبة الصخرة ؟ أم بكونها المدينة التي صعد منها النبي محمد (ص) إلى السماء؟ أو إنها هي أقرب نقطة إلى السماء كما تذهب الميثولوجيا الدينية؟ أظن أن نعوم تشومسكي لم يخطئ عندما أسمى الانتفاضة الثانية بانتفاضة الأقصى و قد توقع منذ البدء أن تقودنا هذه الحركة الاستفزازية من شارون إلى حلبة صراع لا يعلم أحد أين سينتهي عندما زار الأقصى (عام 2000 بعد الميلاد) برهط ضخم من عسكره خلال فترة حكم ايهود باراك الذي مهد له لتلك الزيارة و انفجار الصراع بلبوس ديني و أبعاد دينية بعد فشل محادثات كامب ديفيد صيف عام 2000م وقد رأينا و سنرى أنه بالتالي لن يخدم سوى شارون و سياساته الاستيطانية الحد الذي أستفز و أثار حفيظة حتى اقرب جيرانه الموقعين على إتفاقات سلام معه والذين يخشون بدورهم من استحقاق الزمن و التاريخ و الطروحات الدينية التي ربما ستنالهم قريبا مع استمرار النهج الديني الذي له ما يسنده في العهد القديم و العهد الجديد في الكتاب المقدس و الذي له ما يبرره لدى الطرفين، فعندما عجز " اليهود الأوائل" عن تحقيق انتصار على الفلسطينيين و عن غزو أريحا، قدم أول ما قدم يوشع بن نون إلى شرق النهر و منه إنطلق ليدمر أريحا و يحرق الأخضر و اليابس فيها (3).
لا بد من القول في النهاية أن الخطاب الثقافي الفلسطيني المغاير و المقترح لابد أن يتجنب الخوض في الصراعات الدينية و العرقية و المذهبية و أن يستند إلى تراثه الحضاري العريق بغض النظر عما انتهت إليه المرحلة وأوضاع شعبه من ضعف و مهانة و إنحسار و تراجع ثقافي و إقتصادي و معنوي و خذلان قومي و خذلان إسلامي و تغول أميركي- إسرائيلي-عربي، فهذه الأوضاع متغيرة و طارئة في مسار التاريخ من ناحية، و لا بد أيضا من التركيز على المشترك من ناحية أخرى ، فالتاريخ بل والقرآن نفسه لا ينفي بني إسرائيل بل لقد ورد ذكرهم في القرآن عشرات المرات باعتبارهم إشكاليين في حين لم يذكر الكنعانيين أو اليبوسيين أو الفلسطينيين. وأول المشترك بعد وجودهم منذ القدم بيننا أنهم ما من شك قاوموا الرومان الغزاة و تمردوا على رسل و عسكريو الغرب الذين جاءوا لإسكات ثوراتهم. و إنهم ساميون و لغتهم أقرب إلى لغتنا من غيرها من اللغات الكثيرة في العالم. وأنهم قدرنا باعتبارهم من ديانات التوحيد الثلاث المعروفة. و هذا المشترك لم يعد في الثقافة (ثقافة التوحيد) (4) و الجغرافيا و التاريخ و حسب بل أنه رابض لنا في الحاضر الدموي و في المستقبل الذي ينتظر صنعه ليس من الأقوياء و حسب بل و بمشاركة الضعفاء أيضا. لقد قدم أرنولد توينبي منذ أواخر الخمسينيات النصيحة لإسرائيل بأن تبحث عن هذا المشترك لأجل المستقبل. في حين حذر الكاتب فواز تركي من مغبة الرجوع إلى التاريخ لأن كل دارس له يستطيع تكييف الوقائع لمصلحته أو رؤياه أو ملته أو دينه. و ما من شك إذا استطاع الخطاب الثقافي الفلسطيني المقترح تغايره أن يتقدم خطوات للأمام أنه سيجد من الإسرائيليين أنفسهم ومن الأجيال الجديدة من يسايره أو يسير معه و من يحس أن عجلة الزمن تجاوزت الغزوات و الإجتياحات و فرض وقائع الغطرسة و القوة إلى زمن أكثر عدالة و أكثر تفهما و أكثر انفتاحا و حرية وأكثر تعددية وغنى وأكثر ديمقراطية ليس للفلسطيني و حسب بقدر ما هو بات ضرورة للإسرائيلي نفسه إذا أراد أن يعيش حياة طبيعية في هذا الجزء من العالم و في هذه الحقبة من التاريخ مراعياً حقوق الإنسان والقرارات الدولية ذات الشأن. و في النهاية لا بد أن يدفع الطرفان في سبيل ذلك تنازلات مؤلمة آنيا و لكنها لن تكون مؤلمة للأجيال القادمة و ثقافتها المغايرة من الطرفين و التي لا بد أن تكون ثقافة واحدة في سيرورتها وصيرورتها أيضاً مهما كابر طرف و مهما تفرد الطرف الآخر بقوته الراهنة.
__________________________________________________
هوامش:
1-ورد في التوراة (سفر التكوين 14:18 ،19) عن استقبال سيدنا إبراهيم عليه السلام في القدس النص التالي: (وملكي الصادق ملك شاليم أخرج خبزاً وخمراً. وكان كاهناً لله العلي . وباركه وقال مبارك إبراهيم من الله العلي مالك السماوات والأرض ...)
2- أقيمت مدينة القدس اليبوسية على أنقاض بلدة بيت نينورتا حوالي 2600 قبل الميلاد ضمن مجموعة من المدن الكنعانية مثل حبرون وشكيم ومجدو وبيت إيل وعسقلان وغزة ،
وقد خرج سيدنا موسى عليه السلام من مصر حوالي 1500 قبل الميلاد. وقد ورد اسم القدس في لوحات تل العمارنة على أنه (أوروسالم)-1411/1350 ق.م.- في حين ورد اسمها أيام الإمبراطور الآشوري سنحارب (أوروسليمو) 700 ق.م. وأيام الاسكندر الأكبر (هيروسليما) أو (سوليما) 330 ق.م. أما( شاليم) فهو إله السلام والأمن عند الكنعانيين وقد ورد في أسفار العهد القديم 656 مرة ليشير إلى يبوس أي القدس.
3- يحدثنا العهد القديم أن يوشع بن نون عندما غزا أريحا قتل : ( كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف .... وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها . إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب)
4- الساميون نسبة إلى سام إبن سيدنا نوح عليه السلام الموحد المؤمن بالله الذي عندما هلك قومه كان له من البنين سام وحام ويافت. وقد عرف الله الذي كان محور العقيدة السامية عند الكنعانيين باسم ( إيل EL) ووصف بعلو المكانة والمنزلة . بينما الكنعانيين نسبة إلى الأراضي المنخفضة عن محيطها من الأراضي المرتفعة المجاورة.
|